ابن أبي الحديد

228

شرح نهج البلاغة

خطب علي عليه السلام لما تواقف الجمعان ، فقال : لا تقاتلوا القوم حتى يبدء وكم ، فإنكم بحمد الله على حجة ، كفكم عنهم حتى يبدء وكم حجة أخرى ، وإذا قاتلتموهم فلا تجهزوا على جريح ، وإذا هزمتموهم فلا تتبعوا مدبرا ، ولا تكشفوا عورة ، ولا تمثلوا بقتيل ، وإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا ، ولا تدخلوا دارا ، ولا تأخذوا من أموالهم شيئا ، ولا تهيجوا امرأة بأذى ، وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم ، فإنهن ضعاف القوى ( 1 ) ، والأنفس والعقول ، لقد كنا نؤمر بالكف عنهن وإنهن لمشركات ، وإن كان الرجل ليتناول المرأة بالهراوة والجريدة ، فيعير بها وعقبه من بعده . * * * قتل بنو ضبة حول الجمل فلم يبق فيهم إلا من لا نفع عنده ، وأخذت الأزد بخطامه ، فقالت عائشة : من أنتم ؟ قالوا : الأزد ، قالت : صبرا ، فإنما يصبر الأحرار ، ما زلت أرى النصر مع بنى ضبة ، فلما فقدتهم أنكرته . فحرضت الأزد بذلك ، فقاتلوا قتالا شديدا ، ورمى الجمل بالنبل حتى صارت القبة عليه كهيئة القنفذ . * * * قال علي عليه السلام لما فنى الناس على خطام الجمل ، وقطعت الأيدي ، وسالت النفوس : ادعوا لي الأشتر وعمارا ، فجاءا ، فقال : اذهبا فاعقرا هذا الجمل ، فإن الحرب لا يبوخ ( 2 ) ضرامها ما دام حيا ، إنهم قد اتخذوه قبلة ، فذهبا ومعهما فتيان من مراد ، يعرف أحدهما بعمر بن عبد الله ، فما زالا يضربان الناس حتى خلصا إليه ، فضربه المرادي على عرقوبيه ، فأقعى وله رغاء ، ثم وقع لجنبه ، وفر الناس من حوله ، فنادى علي عليه السلام : اقطعوا

--> ( 1 ) في ب : ( القوم ) ، وما أثبته من ا ( 2 ) لا يبوخ : لا يخمد .